ما يجري اليوم في سوريا لا يمكن وصفه بانتقال سياسي أو مرحلة ما بعد الحرب، بل هو إعادة إنتاج ممنهجة للإرهاب داخل مؤسسات الدولة، في سيناريو منظم يتجاوز الحدود السورية ويهدد الأمن الإقليمي والدولي.
أحد أخطر النماذج على هذا المسار هو أبو أحمد، الذي تعود قضيته إلى أكثر من 22 عاماً. في مطلع الألفية، كان هذا الشخص مصنفاً كـ إرهابي مطلوب وخطير وعضواً في تنظيم «جند الشام»، ومتورطاً في عمليات إرهابية استهدفت مدنيين وأقليات دينية، لا سيما المسيحيين في دمشق. وبسبب خطورته، أمضى 21 عاماً في سجن صيدنايا وسجون أمنية خاصة بالمعتقلين شديدي الخطورة.
هذا السجل الإجرامي لم يكن محل خلاف في ذلك الوقت، لكن المفارقة الصادمة أن هذا الماضي لم يمنع صاحبه اليوم من الظهور مجدداً داخل البنية العسكرية الجديدة في سوريا، بل في مواقع قيادية، في ظل سلطة يقودها أشخاص يحملون بدورهم تاريخاً إرهابياً معروفاً.
في صدارة هذا المشهد يقف أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، الذي كان هو الآخر قيادياً في تنظيمات إرهابية، وسبق أن اعتُقل وسُجن، قبل أن يتحول اليوم إلى قائد سياسي ـ عسكري يقدم نفسه بصفته ممثلاً لـ«الدولة». وصول شخص بهذه الخلفية إلى موقع القيادة يؤكد أن ما يحدث ليس صدفة ولا خطأ سياسياً، بل جزء من مسار مخطط له بعناية.
عودة أبو أحمد بعد 21 عاماً من السجن، إلى جانب صعود أحمد الشرع، تكشف عن نمط واضح:
إعادة دمج الكوادر الإرهابية السابقة داخل مؤسسات الحكم والجيش، وتحويلهم من متهمين بجرائم إرهاب إلى «مسؤولين رسميين».
ما يسمى بـ«هزيمة داعش» لم يكن سوى هزيمة عسكرية شكلية. التنظيم وتياراته الفكرية لم تُقتلع، بل جرى إعادة تدوير كوادره داخل كيانات جديدة، بدعم مباشر أو غضّ نظر من الولايات المتحدة وحلفائها. ما فشلوا في تحقيقه بالسلاح، حصلوا عليه اليوم من دون حرب: السلطة والشرعية.
هذا السيناريو ما كان له أن ينجح دون دور إقليمي واضح، خصوصاً من تركيا وقطر، اللتين وُجهت إليهما في السنوات الماضية اتهامات متكررة بدعم جماعات متطرفة، بينها داعش وفصائل مرتبطة بالقاعدة، سواء عبر:
التسهيلات اللوجستية
الدعم المالي والإعلامي
أو توفير الغطاء السياسي
اليوم، تستمر هذه الدول في منح الشرعية السياسية لبنية حكم تضم في صفوفها إرهابيين سابقين.
المسيحيون، العلويون، الدروز، وسائر الأقليات الدينية في سوريا، يقفون اليوم أمام تهديد حقيقي. التجارب السابقة مع هذه الجماعات أثبتت أن وجودها في السلطة يعني:
القتل،
التهجير القسري،
وتدمير التعدد الديني والاجتماعي.
تحركات هذه القوى قرب شمال وشرق سوريا تشير إلى أن روجآفاي كردستان تمثل خط المواجهة القادم، في مشروع يهدف إلى:
ضرب الإدارة الذاتية
إعادة إحياء خلايا داعش
وفتح الباب لفوضى جديدة تتجاوز حدود سوريا
حين يصبح الإرهابيون السابقون قادة دولة،
وحين تتحول السجون إلى بوابات للحكم،
فإننا لا نواجه حدثاً سياسياً عادياً، بل خطراً عالمياً منظماً.
الإرهاب الذي هُزم بالأمس تحت راية سوداء،
عاد اليوم بربطة عنق،
وختم دولة،
وصمت دولي مريب.